فخر الدين الرازي
62
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ [ المجادلة : 2 ] فالمشرك الذي يقول الملائكة بنات اللّه وينسب إلى من لم يلد ، ولا يجوز أن يكون له ولد ، ولدا كيف لا يكون قوله منكرا ؟ فالصلاة تنهى عن هذه الفحشاء ، وهذا المنكر وذلك لأن العبد أول ما يشرع في الصلاة يقول اللّه أكبر ، فبقوله اللّه ينفي التعطيل وبقوله أكبر ينفي التشريك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك ، فإذا قال بِسْمِ اللَّهِ نفى التعطيل ، وإذا قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ نفى الإشراك ، لأن الرحمن من يعطي الوجود بالخلق بالرحمة ، والرحيم من / يعطي البقاء بالرزق بالرحمة ، فإذا قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، أثبت بقوله الْحَمْدُ لِلَّهِ خلاف التعطيل وبقوله : رَبِّ الْعالَمِينَ خلاف الإشراك ، فإذا قال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ بتقديم إياك نفى التعطيل والإشراك وكذا بقوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإذا قال : اهْدِنَا الصِّراطَ نفى التعطيل لأن طالب الصراط له مقصد والمعطل لا مقصد له ، وبقوله : الْمُسْتَقِيمَ نفى الإشراك لأن المستقيم هو الأقرب والمشرك يعبد الأصنام حتى يعبد صورة صورها إله العالمين ، ويظنون أنهم يشفعون لهم وعبادة اللّه من غير واسطة أقرب ، وعلى هذا إلى آخر الصلاة يقول فيها أشهد أن لا إله إلا اللّه فينفي الإشراك والتعطيل ، وهاهنا لطيفة وهي أن الصلاة أولها لفظة اللّه وآخرها لفظة اللّه في قوله : أشهد أن لا إله إلا اللّه ليعلم المصلي أنه من أول الصلاة إلى آخرها مع اللّه ، فإن قال قائل فقد بقي من الصلاة قوله وأشهد أن محمدا رسول اللّه والصلاة على الرسول والتسليم ، فنقول هذه الأشياء في آخرها دخلت لمعنى خارج عن ذات الصلاة ، وذلك لأن الصلاة ذكر اللّه لا غير ، لكن العبد إذا وصل بالصلاة إلى اللّه وحصل مع اللّه لا يقع في قلبه أنه استقل واستبد واستغنى عن الرسول ، كمن تقرب من السلطان فيغتر بذلك ولا يلتفت إلى النواب والحجاب ، فقال أنت في هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وغير مستغن عنه فقل مع ذكرى محمد رسول اللّه ، ثم إذا علمت أن هذا كله ببركة هدايته فاذكر إحسانه بالصلاة عليه ، ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغهم سلامي كما هو ترتيب المسافرين ، واعلم أن هيئة الصلاة هيئة فيها هيبة فإن أولها وقوف بين يدي اللّه كوقوف المملوك بين يدي السلطان ، ثم إن آخرها جثو بين يدي اللّه كما يجثو بين يدي السلطان من أكرمه بالإجلاس ، كأن العبد لما وقف وأثنى على اللّه أكرمه اللّه وأجلسه فجثا ، وفي هذا الجثو لطيفة وهي أن من جثا في الدنيا بين يدي ربه هذا الجثو لا يكون له جثو في الآخرة ، ولا يكون من الذين قال اللّه في حقهم وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [ مريم : 72 ] . ثم قال تعالى : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ . لما ذكر أمرين وهما تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة بين ما يوجب أن يكون الإتيان بهما على أبلغ وجوه التعظيم ، فقال : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وأنتم إذا ذكرتم آباءكم بما فيهم من الصفات الحسنة تنبشوا لذلك وتذكروهم بملء أفواهكم وقلوبكم ، لكن ذكر اللّه أكبر ، فينبغي أن يكون على أبلغ وجوه التعظيم ، وأما الصلاة فكذلك لأن اللّه يعلم ما تصنعون ، وهذا أحسن صنعكم فينبغي أن يكون على وجه التعظيم ، وفي قوله : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ مع حذف بيان ما هو أكبر منه لطيفة وهي أن اللّه لم يقل أكبر من ذكر فلان لأن ما نسب إلى غيره بالكبر فله إليه نسبة ، إذا لا يقال الجبل أكبر من خردلة ، وإنما يقال هذا الجبل أكبر من ذلك الجبل فأسقط المنسوب كأنه قال ولذكر / اللّه له الكبر لا لغيره ، وهذا كما يقال في الصلاة اللّه أكبر أي له الكبر لا لغيره . ثم قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ ( 47 )